مقاطع من مذكرات أبو البنات
رجب أبو سرية
في المجتمع الذكوري , لا تتعرض الأنثى فقط للتمييز , ولكن كل من يتعامل معها على اعتبار أنها فرد لا يقل عن الذكر في شيء , لا في الذكاء , ولا في العطاء ولا التحصيل ولا القدرة على بناء مجتمع افضل . فيما نظام الذكورة الاجتماعية يبدأ عمليته المضادة للطبيعة الفطرية منذ الولادة , مستندا إلى فر وقات جنسية , في حين أن الجنسية ذاتها , إنما هي مركب من الذكورة والأنوثة , فيقوم بتطبيع كلا الجنسين بالضد من الطبيعة الفطرية , على النسق الذكوري المبتكر , ومنذ لحظة الولادة وعبر كل مراحل التربية اللاحقة .
المقطع الأول :
كلما كنت أؤجل موعدي مع الزواج , الذي يعتبر مدخلا لتكوين الأسرة , أملا في أن أكون ذاتي الاجتماعية كذات فاعلة , حتى لا أكون مجرد رقم في تعداد الأمة التي هي بلا عدد , وحالما بظروف افضل تتيح لي مجال الاختيار بشكل أصوب , كلما كان أبى ومجمل أسرتي , بل وحتى الأصدقاء والجيران يلحون علي أن اكمل نصف ديني , هذا أولا , ثم ثانيا _ حتى يعم الفرح والاطمئنان , إلى أن ابنا مشاكسا , يحمل بذرة التمرد , سيجعل منه الزواج اكثر عقلانية وقبولا لكل ما هو سائد ومتعارف عليه . وكلما كانت الحاجة إلى الأنثى تلح عليك , كلما كانت عوامل الصد تتداعى واحدة تلو الأخرى , حتى جاءت اللحظة الموعودة , وتم الأمر بكل يسر وبساطة , وكأنك كنت تحقق رغبة الآخرين , اكثر مما كنت تحقق رغبة لذاتك .
المقطع الثاني :
بعد أسابيع فقط , بدأت التساؤلات تتكون , حول أن كان هنالك حدث سعيد قادم في الطريق , ولم يشفع لكما الاتفاق بينكما على اقتناص عام أول من التالف بعيدا عن الضغط الناجم عن انتفاخ البطن , ثم المخاض , وما يتبع ذلك من ترتيبات ضرورية كمستلزمات للوافد الجديد , على ما افترض أن يقوم به شخصان , ينظران إلى نفسيهما كعاشقين , في حين يرى فيهما من يحيطون بهما , على انهما وحدة اجتماعية , مطلوب منها أن تحافظ على نسل العائلة وتناسل العشيرة , ثم الأمة بأسرها .
المقطع الثالث :
حين جاء المخاض وكان المولود أنثى , كانت الفرحة التي أحاطت بكما منقوصة , ولم يشفع لها سوى أنها مولودها البكر , ومن كان بمقدورها أن تنجب الأنثى , يمكنها أن تنجب بعد ذلك الذكر . ومع مرور الوقت وحين كانت الصغيرة تكبر , كان الجد , الذي سبق وطال انتظاره , بل وكان صبره ينفذ من ابنه الذي لم يكن متحمسا لا للزواج ولا للإنجاب , يداعب الصغيرة , ولا يتوقف , وهو يبدي حبه وإعجابه بها وبذكائها , عن القول , آه لو كنت فقط ولدا .
المقطع الرابع :
يزداد الإلحاح لعودة الكرة بأسرع وقت ممكن , وكل الشرح حول ضرورة أن تأخذ ألام وقتا حتى يستريح الجسد و مما يصيبه من تعب أنهاك جراء الحمل , وحتى يأخذ الطفل وقته من الرعاية والدلال حتى يكبر… إلى أن يكون الحمل الثاني , ويبدأ الأمل يتراكم , وتكون الثقة هذه المرة تكاد تكون مطلقة , في أن الطفلة / البكر , سترافق عما قريب شقيقها , الذي ستفرح به , وستؤنس وحدتها معه , قبل أن يقر الأبوان والجد والجدة وكل الأحبة ممن يحيطون بهم بقرة العين , الذي سيفرض اسمه على جميع أفراد الأسرة , حتى يتسمى الأبوان باسمه .
المقطع الخامس :
وحيث أن المولود الثاني كان أنثى أيضا , يكون استقبالها أشبه بمرور حدث عادي , في احسن أحواله , تتطلع العيون حولها , وتحمد الله على كل شيء , وتدعو للام بالسلامة , ثم يعود الجميع إلى البيت ليزاولوا أعمالهم المنزلية المعتادة , دون جلبة أو صخب , مخافة إثارة تشفي المتربصين ممن هم في الجوار أو سواه .
مقطع سادس :
صدف وانك رجل اعتاد أن يسير على قدميه طويلا , وهو لا يعرف من الرياضة سوى المشي , ولأسباب أخرى , مر الوقت دون أن تعرف سياقه المركبات , لكنك وبعد أن تغير بك الحال , تقوم بشراء واحدة , تتقدم زوجتك وهي تعرف سرك جيدا لمهمة قيادة المركبة , تجلس إلى جوارها , حين تذهبون إلى زيارة , فترافقكم تظاهرة اجتماعية , تنكر عليها سياقه المركبة , تفكر أنت وتبحث في خيالك عن اصل المفارقة , حيث ينكر الناس أو على الأقل يستغربون أن تقود امرأة مركبة حديثة , على الرغم من أنها تحفظ لها احترامها , فيما يرونها تقود العربة البدائية التي تجرها الدواب , ويقبلون ذلك على انه أمر عادي .
المقطع السابع :
ولأنك كنت قد اتفقت وزوجتك و على أنكما زوجان عصريان , لن تنجبا اكثر من ولدين فقط , فان المجتمع هنا يفاجئكما , حين يعلم بان ولديكما بنتان , فلا تتوقف النسوة , كما الرجال أيضا عن حثكما على الإنجاب مجددا , ولا عن القول كلما جمعتك بهم مناسبة أو مجاملة ( عوض الله عليك ) . ترضخان للضغط الاجتماعي وتقدمان على المحاولة الثالثة .
المقطع الثامن :
يجيء المولود هذه المرة أيضا ويكون أنثى , يتوجه محبوك من أقربائك للتخفيف عنك بالمصاب الجلل , قائلين ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . ثم يواسونك بالقول بأنه ما زال أمامكما الوقت والفرصة لاستقبال الولد/ الذكر يوما , كما سبق وان فعل الله سبحانه وتعالى مع نبيه يعقوب حين أهداه اسحق بعد أن بلغ من العمر عتيا .
مقطع تاسع :
تمازح زميلة لك في العمل يوما , وتحثها على أن تسرع في الزواج , حتى لا تكون سببا في تأخير النصيب عن أخواتها ممن يصغرنها سنا , وحين يتطور الحديث إلى السؤال عن عدد أخواتها اللواتي من المفترض لها أن تسرع في الزواج لتفتح لهن الطريق , تفاجئك بالقول بأنهن إحدى عشر بنتا , انجبن واحدة تلو أخرى , بدافع الرغبة في الحصول على الولد / الذكر .
المقطع العاشر :
كبرت البنات , وكبرت أنا أيضا , وما زلت مطالبا بان اقضي لهن حاجاتهن بالشراء من السوبر ماركت , والذي هو اسفل البناية , لا يفصله عن شقتنا سوى المصعد , وفي احسن الأحوال إذا كن يرغبن في شراء شيء يومي , فعلى الأقل أجدني مطالبا بمرافقتهن , خاصة بعد مغيب الشمس , رغم أن المكان كله مضاء بالإنارة العامة والمجانية .
المقطع الحادي عشر :
تقترب البنت الأولى من الثانوية العامة , ويبدأ التخطيط داخل الأسرة , والبحث والجدل حول ماذا يمكن أن يستقر الرأي على ما ستدرسه بالجامعة ,ليس هذا هو المهم , المهم هو هل يمكن قبول فكرة أن تذهب لجامعة في الخارج , أم انه من الأفضل لها أن تدرس هنا في البلد في جامعة محلية ؟ أي فرع من فروعها وكيفما اتفق ؟ بهذه المناسبة تخدعنا النسبة التي تقول بان نسبة الطالبات في الجامعات الفلسطينية هي 56 % من مجموع الطلبة .
المقطع الثاني عشر :
لوقت قصير , كنت اعتقد أنى قد أمنت لبناتي مستقبلهن , بعد أن فتحت لكل واحدة منهن حساب توفير بنكي , حين تصل الى الجامعة , يكون فيه ما سيغطي مصاريفها حتى تتخرج . واكثر من ذلك , فإنهن سيرثن عني ما يكفل لهن المسكن وربما ما يساعد على ما هو اكثر من ذلك . حتى علمت بان الشرع لا يورث البنتين دون شقيق ذكر , اكثر من نصف التركة , ولا يورث البنات الثلاث ما هو اكثر من الثلثين , حينها خطرت ببالي فكرة أن أتحول بمذهبي من السنة إلى الشيعة .
المقطع الثالث عشر :
تبقت لي أمنية أخيرة , لا يمكنني أن أحققها دون أن توافقني زوجتي عليها , وهي أن تفكر في حمل رابع , أن كان ذكرا , فذاك حسن , وان كان أنثى , فلا باس بذلك , لأنني سأتاكد حينها من أن الله ( سبحانه ) قد من علي بان رزقني بما سبق ورزق به احب الناس إليه , رسوله محمد (ص ) , حيث ما علي سوى أن احسن تربيتهن لأدخل بهن الجنة , إن شاء الله .
مقطع اخر :
لم اعد شابا و بل صرت عند النقطة الفاصلة بين مرحلتي الشباب والشيخوخة , ورغم ذلك , يخاطبني الناس باسمي , قد يرفقونه بلقب أستاذ , لكن قلة قليلة منهم فقط تخاطبني على أنني أب لاسم مؤنث , في حين يتغير لقب الزملاء والناس جميعا ليكون مركبا من اسم المذكر السالم ( الأب ) مضاف إليه اسم الولد / الذكر فولا ولادته .
هنا أتذكر مثقفا فلسطينيا كبيرا , حين أدركت أن له ابنا شابا , يوما و وانه علي بناء على ذلك , أن أخاطبه بابي فلان , أنكر الأمر بقوله , بأنه لم ينفق كل تلك السنين , وهو يشكل اسمه ويشهره حتى ينتسب لهذا الولد ؟ وكان يغمز بذكاء , إلى الظاهرة الفلسطينية التي رافقتنا طوال السنين , وكونت معها مجتمع الأبوات , ربما لتؤكد بان ثورتنا لم تكن تمردا على ارثنا الشرقي , ولا ثورة اجتماعية على نظامه البطريركي , وهذا ما تم تأكيده لا حقا عبر ما قاله زميل بأننا قد تحولنا الآن من المجتمع الأبوي إلى المجتمع الأخوي .
مقطع أخير :
أخبرتني صديقة لم أر وجهها قط , وعن تجربة كونها ابنة لأبوين لم ينجبا سوى الإناث , بان أب البنات يكون حنينا . راجعت نفسي فوجدتني كذلك , حينها أدركت سر كل هذا الجفاف الذي يحيط بنا ومن حولنا , حيث لا يتسمى الرجال والنساء سوى منسوبين لأبنائهم الذكور . وفكرت طويلا في سر هذه الجلافة المتوارثة , عن أسلافنا الذين كانوا يخاطبون سيد المرسلين باسمه مجردا من أي لقب , ربما استنادا إلى انه لم ينجب الولد / الذكر , وكان لله في ذلك حكمة , في حين جعل ذلك من النبي رقيق القلب , ولم يكن فظا غليظ القلب , حتى لا ينفض قومه من حوله .
| Mai 2012 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |||||
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | ||||
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | ||||
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | ||||
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||||||
|
||||||||||
تعليقات